عبد الملك الجويني
106
الشامل في أصول الدين
إذا إثبات حدث الجواهر على إثبات الأعراض . هكذا قال ابن مجاهد « 1 » والقاضي رضي اللّه عنهما ، فاستبان بما قلناه أنه لا يتوقف العلم بحدث العالم على العلم بثبوت الأعراض ، فإن المقصد يثبت دون ذلك . فإن قال قائل : لئن اكتفيتم بالأحوال ، فلا بد من إحاطة العلم بتجددها . قلنا : نفس تعاقبها ينبئ عن الغرض والمقصد . فإنا وإن قدرنا القول بالكمون والظهور ، أو قدرنا القول بثبوت الأعراض في غير محال ، ثم قدرنا انتقالها ، فلا تخلو الذوات مع هذه المعتقدات الفاسدة عن تعاقب الأحوال ، وهو المفضي إلى المقصد من حدثها . فلم يتوقف العلم بحدث الجواهر على شيء من هذه الأصول . وهذا واضح لا خفاء به . ولولا ما قلناه ، للزم تكفير معظم البرية والتبري منهم إذ لم يتكلم في الكمون والظهور واستحالة قيام العرض بالنفس إلا شرذمة « 2 » من أهل العصر ، وسنبسط القول في ذلك عند ذكرنا التكفير والتضليل وما يقتضيهما . وقد ذكر شيخنا رضي اللّه عنه دلالة وجيزة تنطوي على إثبات الحدث والمحدث ، فآثرنا ذكرها لتنضم إلى ما قدمناه من الاكتفاء بتعاقب الأحوال ، وذلك أنه قال : إذا نظرنا إلى الواحد منا - وقد علمنا أن أصله نطفة ، ولم يكن مولودا إلا بعد والد - فلا يخلو إما أن نقدر الأمر هكذا إلى غير أول ، أو نقدر أولا . فإن قدرنا ذلك إلى غير أول ، كان محالا ضرورة ، فإنه لو سبق الواحد الذي فيه الكلام والدون لا نهاية لهم ، لما انصرفت نوبهم ، حتى تنتهي النوبة إلى هذا ، فاستبان أن لنا أولا . ثم ذلك الأول لا يخلو إما أن يكون باقتضاء طبيعة ، فتلك الطبيعة إن كانت قديمة ، فينبغي أن تبقى حتى نتصور في وقتنا بتلك القوة الطبيعية حدوث إنسان من غير سبق نطفة ، كما تحقق ذلك في أول مرة . وأيضا فإن تلك الطبيعة ما بالها اقتضت ثبوت إنسان في وقت دون وقت . فإن قال قائل : إن الفلك اقتضى ثبوت إنسان ابتداء من غير نقطة لتجميع الأنجم المدبرة ، أو لثبوت مطارح أشعتها على وجه دون وجه ، وكان ذلك في بعض الأوقات . فيقال : أليس سير الأنجم متناسبا ، ولا يثبت للأنجم اجتماعا إلا وستنتهي إليه مرة أخرى عودا على بدو . فينبغي أن يكون قبل الاجتماع الذي قدرتموه اجتماع مثله ، وكذلك
--> ( 1 ) محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد ( . . . - 370 ه - . . . - 980 م ) أبو عبد اللّه الطائي البغدادي ، عالم بالكلام ، من المالكية ، من أهل البصرة . صحب أبا الحسن الأشعري ، وسكن بغداد ، فقرأ عليه أبو بكر الباقلاني علم الكلام ، له كتاب في « أصول الفقه » على مذهب مالك ورسالة في « الاعتقادات » على مذهب أهل السنة . الأعلام 5 / 311 ، وشذرات الذهب 3 / 74 . ( 2 ) الشّرذمة : من الناس جماعة قليلة ( ج ) شراذم .